أحمد بن محمد ابن عربشاه

495

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

فتلقى مثاله بالامتثال ، وقبل الأرض في مقام العبودية ، وقام وقال : لتحط العلوم الشريفة والآراء العالية المنيفة ، أن صانع العالم تعالى وتعاظم ؛ بنى أمور المبدا والمعاد ، وما بينهما من معاش مستفاد على دليلين عظيمين جليلين . أحدهما : العقل ؛ الذي هو مناط التكليف . وثانيهما : قواعد الشرع الشريف ، فإن أردت أن تكون سعيد الدارين فاستمسك بأذيال هذين الدليلين ؛ أما العقل فهو الدليل القاطع على وجود الصانع ، وهو مستقل بالقطع غير محتاج إلى السمع ، وكما هو مستقل بالدلالة على وجود ذاته ؛ كذلك هو مستقل بالدلالة على تحقيق صفاته ، ثم ورد بذلك الشرع فتأكدت في وجود الصانع دلالة العقل بالسمع . وأما وحدانية الصانع فكل من العقل والنقل دليل عليها قاطع ، وقد تظافرا بالاستباق إليه وتظاهرا في الدلالة عليه بقول الكافر يوم المصير لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ [ الملك : 10 ] . وبالعقل والسمع يستقيم أمر المبدأ والمعاش ، وبالسمع فقط ميت المعاد عاش ؛ لأن أمور المعاد من الشرع تستفاد ، والعقل في ذلك تابع سامع لأوامر الشرع طائع ، والمسموع في ذلك دليل قاطع . وعلى كل تقدير أيها الملك الكبير فاجعل العقل وزيرا ، تجده لك في ظلمات المشكلات سراجا منيرا واتخذ النقل هاديا ونصيرا ، يكن بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا ، وعامل الرعية بالعدل يعاملك الله بالفضل . واعلم أن الدنيا في معرض الزوال وأنه لا بدّ عنها من الانتقال ، وأن الله سبحانه وتعالى وجل سلطانه جلالا ، اقتضت حكمته وجرت بين عباده سنته ، أن يكون الإنسان على خلاف ما فطره الرحمن ، فإنه خلقه